جهاز الأمن الشعبى..قصة "تنظيم الإخوان" الذى يُخطط لإفشال الثورة السودانية

فجرت الأحزمة الناسفة والأسلحة والمتفجرات وأجهزة الاتصالات الحديثة التى ضبطتها قوات "الدعم السريع"، شرقي الخرطوم، ووجهت أصابع الاتهام لجهاز الأمن الشعبي أكبر مليشيات الحركة الإسلامية السياسية في السودان، العديد من الأسئلة أبرزها، متى تأسس الأمن الشعبي؟ ومن هو مؤسسه؟ وما هى المهام المنوط بها الجهاز فى السودان؟ ومن هم أبرز قاداته؟ وما شروط الانضمام لهذا الجهاز؟ وما حقيقة ارتباط جهاز الأمن الشعبى بمحاولة اغتيال الرئيس المخلوع مبارك؟ وخلال السطور القامة سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال الاستعانة فى بعض الأحيان بكتاب "بيت العنكبوت" أسرار الجهاز السرى للحركة الإسلاموية السودانية للكاتب السودانى فتحى الضو.
"نشأة الأمن الشعبى"
تُشير قواعد تأسيس جهاز الأمن الشعبى إلى أنه جهاز سري للحركة الإسلامية السياسية، يعمل في الظلام ويتغلغل في المجتمع من أجل تنفيذ أجندة تنظيم الإخوان الإرهابي وحمايته، وهو صاحب التاريخ الأسود والملطخ بدماء الأبرياء وخصوم السياسة، وأعد لكى يكون بديلًا فى حالة انهيار جهاز الأمن والمخابرات الوطنى أو الجهاز الرسمى، واشتهر بأن سلطاته تعلو على أى سلطات فى السودان، بما فى ذلك الأجهزة النظامية الأخرى، وتأسس على يد زعيم الحركة الإسلامية السياسية حسن الترابي، عام 1976م كجهاز معلوماتي لخدمة التنظيم الإخواني وتغلغل في المجتمع بشكل سري وكان موازيًا لجهاز الأمن والمخابرات في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري.
وعلى مدار السنوات تمدد "الأمن الشعبي" في البلاد حتى أصبح أداة القمع الأولى يُمارس القتل والتعذيب بلا تورع، لا سيما خلال العشر سنوات الأولى من حكم الإخوان للسودان "1989 – 2000"، والتي شهدت أبشع أنواع البطش للسياسيين ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضين لسلطة الحركة الإسلامية السياسية.
ويقوم عمل "الأمن الشعبي" على زرع عناصره وسط الأحياء السكنية بصورة يصعب معرفتهم وقد يكونون مواطنين عاديين متعاونين، بغرض جمع أكبر حجم من المعلومات لخدمة أجندة التنظيم الإخواني الإرهابي.
وبعد انقسام تنظيم الحركة الإسلامية السياسية عام 1989 اهتز "الأمن الشعبي" حيث ذهب بعضه مع عمر البشير، والآخر مع حسن الترابي، قبل أن يستجمع قواه مجددًا ويعود للمشهد بصورة أكثر دموية.
ويقوم جهاز الأمن الشعبى بتدريب عناصر منه على أسلحة محرمة ومحظورة دوليًا (حارقة وكيميائية) بغرض استخدامها فى مناطق النزاعات كلما دعا الأمر، بشرط أن يكون الفرد المُختار قد قضى ثلاث سنوات فى الخدمة، ويكون أداؤه جيدًا.
"أبرز قادة الأمن الشعبي"
من أبرز العناصر التي تعاقبت على قيادة جهاز الأمن الشعبي، الإخواني الفاتح عروة وخالد أحمد المصطفى باكداش الذي توفي العام الماضي، والحاج صافي النور والراحل مجذوب الخليفة وبابكر عثمان خالد.
وبعد انقسام تنظيم الإخوان الإرهابي تولى الأمن الشعبي كمال عبداللطيف الذي شهدت فترته قمعًا غير مسبوق واغتيالات واسعة وسط الطلاب المعارضين والموالين الذين يتزحزح ولاؤهم للإخوان، وأعقبه الرشيد فقيري وعماد حسين وأخيرًا الإخواني طارق حمزة.
ولا يحمل قادة جهاز الأمن الشعبى أى رتب عسكرية، أسوة بجهاز المخابرات الرسمى، ويحتوى الجهاز فى هيكلته الإدارية على خمسة دوائر أهمها الدائرة الأولى" لأنها مختصة بالمصادر، أى مصادر المعلومات عامة وفى السودان خاصة، ويُطلق على رئيسها اسم "مساعد" ويعتبر من القيادات المؤثرة داخل الجهاز، وهو من الإسلاميين المتشددين والأكثر تطرفًا، وعلى درجة كبيرة من الاحترافية الأمنية.
"شروط الانتماء لجهاز الأمن الشعبى"
وضع جهاز الأمن الشعبى سياسة عنصرية صارمة فيما يتعلق بترشيح أو إجازة تعيين عضو جديد، إذ لا بد أن تتوفر فيه الشروط التالية:
- أن يكون الشخص المرشح للانتماء للجهاز من مناطق النزاعات أو المناطق التى تشهد حروب، وتلك المعنى بها: دارفور بكل ولاياتها، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، بالإضافة إلى بعض مناطق التماس فى الشرق أو المناطق الحدودية مع دولة الجنوب.
- أن يكون المرشح منتميًا تنظيميًا للحركة الإسلامية كعضو ملتزم، ولا يكفى الانتماء لحزب الدولة، المؤتمر الوطنى.
- ألا يكون الشخص المرشح للانتماء للجهاز سبق له الانتماء لأى حزب أو تنظيم سياسى.
- ألا يوجد فى أسرة الشخص المُرشح للانتماء للجهاز شخص مُعارض للحكومة بصورة واضحة ومعروفة، بل على العكس، عليه إظهار الولاء الكامل لدرجة التطرف.
- ألا يكون له شخص فى الأسرة ينتمى لمنظمة دولية، مما تعتبرها الدولة فى حالة حرب معها، كمنظمات حقوق الإنسان أو المنظمات العاملة فى مجالات الغوث الإنسانى.
- يلزم الشخص المرشح بعدم تناول المشروبات الكحولية، وكذلك حظر العلاقات النسائية خارج إطار مؤسسة الزواج.
- يلزم بأداء قسم الولاء.
"دور الأمن الشعبى فى توجيه سياسات الدولة"
يتولى الأمن الشعبي، إلى جانب جمع المعلومات وقمع الخصوم، مهمة اختيار المسؤولين بالدولة، حيث لم يتم تعيين أي وزير أو موظف رفيع في الحكومة إذا لم تتم إجازته من قبل جهاز الأمن الإخواني وذلك من أجل المحافظة على سلطة الحركة الإسلامية السياسية من الاختراق.
ووفق مقربين فإن الأمن الشعبي يشترط أن يكون كل وكلاء الوزارات الاتحادية من عناصره المنظمة ولا يسمح بسواهم، وكان ذلك يسري طوال فترة حكم الإخوان للسودان من 1989م إلى أبريل 2019.
ومن الناحية الاقتصادية، يعد الجهاز مسئولًا بالدرجة الأولى عن الاستثمارات الخارجية ذات الصلة بالمجالات المختلفة..الزراعة، والثروة الحيوانية، والتعدين، والبترول، والاتصالات، والعقارات، والودائع..إلخ.
أما من الناحية السياسية، فالجهاز هو الذى يضع مُوجَهات السياسة الداخلية والخارجية معًا، والأكثر من ذلك أن "جهاز الأمن الشعبى" هو الذى يُشير للأمن الرسمى بالاعتقالات التى تتم لسياسيين مُعارضين من حين لآخر، بعضهم ظل قابعًا فى السجون وما يزال، وبعضهم لمُدد مختلفة ويُطلق سراحهم دون إبداء أى أسباب، كما أن "الجهاز" هو الذى يتدخل فى تعيين أو إقالة الوزراء والولاة بتوجيهات مباشرة لرئاسة الجمهورية.
"استثمارات الجهاز"
على المستوى المحلى، يقوم الجهاز بالسيطرة الكاملة على الاتجار بالعملات الأجنبية وذلك عن طريق سماسرة ينشطون فى هذا الموضوع، وكذلك عبر أعضاء الجهاز أنفسهم، كما يُسيطر الجهاز على أسواق الأثاثات المنزلية والمكتبية، والمعروف أن مؤسسات ووزارات الدولة هى المستهلك الأكبر لهذا القطاع، وتبعًا لذلك، فالمسيطرون عليه يتحكمون فى كل ما يتصل به، بما فى ذلك التسهيلات الجمركية والإعفاءات الضريبية وغيرهما، فضلًا عن الاستثمارات التى تقع تحت مسئولية إدارة الشئون المالية من خلال شركات ومؤسسات ومصانع عديدة، مثل قطاع الالكترونيات والأدوية والعقارات، والسلع الإستراتيجية، والسيطرة على أراضى الدولة.
ولأسباب أمنية يعمل الجهاز على وضع أمواله فى أماكن عدة وبطرق كثيرة، منها ما يُوضع فى حسابات بنكية لأفراد، سواء داخل السودان أو خارجه.
"الجهاز والحركة الإسلامية"
لجهاز الأمن الشعبى دور ريادى فى قرارات "المؤتمر الوطنى" وسياساته وخططه، حتى اختيار العضوية لمواقع معينة، بدءً من المكتب القيادى وحتى أصغر وحدة تنظيمية.
ويتولى جهاز الأمن الشعبى اختيار الأمين العام للحركة، وكذلك أمناء الولايات ويُسيطر على كل إدارات الحركة الإسلامية، كما يُشرف على الانتخابات الدورية.
"علاقة الجهاز بالجماعات المتطرفة داخل وخارج السودان"
للجهاز علاقات مباشرة بعدد من الجماعات المتطرفة داخل وخارج السودان، واستخدم الجهاز هذه الجماعات فى عمليات تهريب السلاح، فعلى المستوى الداخلى هناك علاقة قوية للجهاز بجماعة "التكفير والهجرة" التى تعد الأقدم بين الجماعات من ناحية التأسيس، ومعظم أعضائها كانوا من المنتمين للحركة الإسلامية، وتم زرعهم داخل هذه الجماعة بواسطة الجهاز حتى يتسنى له السيطرة، وتتواجد هذه الجماعة بصورة أساسية فى ولايتى الخرطوم والجزيرة، ولهذه الجماعة مقار سرية لعضويتها ولكنها معروفة للجهاز ويُخزن فيها كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمفرقعات مختلفة الأنواع، أما على المستوى الخارجى فإن للجهاز علاقة بجماعة "أنصار الشريعة" التى تنشط فى ليبيا بصورة ملحوظة.
"الاغتيالات التى نفذها الجهاز وأبرزها محاولة اغتيال الرئيس المخلوع مبارك"
لم يكن الأمن الشعبي يكتفي بجمع المعلومات وتحليلها، بل امتدت يده لتنفيذ اغتيالات واسعة لا سيما وسط خصوم السياسة في قطاع الطلاب بالجامعات السودانية، وداخل تنظيم الإخوان نفسه من الذين يتزحزحون عن الولاء للحركة الإسلامية السياسية.
والأكثر من ذلك أن الجهاز ارتبط اسمه بمحاولة اغتيال الرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك، في أديس أبابا تسعينيات القرن الماضي، والتي يتورط فيها قيادات نافذة في تنظيم الحركة الإسلامية السياسية كنافع علي نافع وعلي عثمان محمد طه، وفق شهادة مؤسس الإخوان الإرهابية السودانية الراحل حسن الترابي.
"دور الأمن الشعبى فى إخماد انتفاضة سبتمبر 2013"
لعب جهاز الأمن الشعبى دورًا فعالًا فى إخماد انتفاضة سبتمبر 2013، وذلك من خلال محورين أساسيين، أولًا حل سياسى وتم ذلك بعد الاتصال ببعض المصادر القيادية فى بعض التنظيمات الحزبية السياسية، حيث قضى الاتفاق معها على رفض دخول تنظيماتها كأجسام سياسية، وإلا فإن العنف الذى سيُقابل بعنف يُمكن أن يُطال القيادات فى حال انفلات الزمام، وتحديدًا فى أحزاب المؤتمر الشعبى وحزب الأمة والحزب الاتحادى الديمقراطى، ولذلك يجب أن تُقاوم رغبات أحزابها فى الدخول للمعترك والمشاركة فى المظاهرات، وذلك بدعوى أنها ستؤدى إلى خلق مشكلة كارثية فى السودان نتيجة تدخل إقليمى متوقع لمؤازرة الحركات المُسلحة، مما يُمكن أن يُصعب من الحلول السياسية للمشكلة فيما بعد.
أما الحل الأمنى فتمثل ذلك فى منع الأجهزة النظامية الأخرى، مثل الشرطة والقوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات "الرسمى" من المشاركة فى إخماد تلك المظاهرات، والاكتفاء فقط بتأمين منشآتهم والمنشآت الأخرى الهامة فى الدولة، وبالفعل تحركت "كتيبة الطوارئ" التابعة لجهاز الأمن الشعبى فى كل أرجاء ولاية العاصمة المُثلثة وضواحيها، وتتكون "كتيبة الطوارئ" من كوادر اختيرت بعناية من عدة إدارات مختلفة فى الجهاز، وتلقت تدريبات خاصة، شملت كل شئ، وتمتلك أسلحة خفيفة متطورة جدًا، ومعدات أخرى على ذات النمط، بجانب أن لديها تعليمات بصورة مُطلقة باستخدام كل الوسائل، وانطلقت فى شوارع العاصمة المُثلثة وهى تُمارس ما تدربت عليه لأول مرة منذ سنين بتلك الصورة الواسعة والكبيرة، وأصبحت هذه الكتيبة هى المسئولة عن مقتل جميع المتظاهرين فى انتفاضة سبتمبر 2013.


التعليقات